مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط 

حرب الخوارزميات.. حين يغتال الذكاء الاصطناعي الحقيقة في صراع الشرق الأوسط

 

في عالم غدا فيه الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأول للصور والمعلومات لم تعد الحروب تدار فقط بالصواريخ والبارود بل باتت الخوارزميات هي سلاح الدمار الشامل للوعي الإنساني إن ما نشهده اليوم في سياق الصراع المحتدم بين المحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة والجانب الإيراني من جهة أخرى يمثل ذروة التوظيف التكنولوجي لتزييف الواقع وقلب الحقائق رأسا على عقب حيث لم يعد الفرد منا قادرا على الوثوق بعينه أو أذنه أمام شلال المتدفق من الفيديوهات والصور التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي والتي يتم إنتاجها بدقة متناهية تجعل من المستحيل التمييز بين حطام طائرة حقيقية أو مشهد مولد آليا في غرف مغلقة لخلق نصر وهمي أو هزيمة معنوية للخصم وهذا التطور المرعب في تقنيات التزييف العميق لم يعد مجرد رفاهية تقنية بل صار أداة استراتيجية في الحروب الهجينة التي تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي وزرع الشك في كل معلومة تصدر عن الميدان .. 
إن الخطورة الحقيقية لهذا الانفجار في قدرات الذكاء الاصطناعي تكمن في قدرته على محاكاة الواقع لدرجة تتجاوز المنطق البشري فمن خلال تغذية الآلة بملايين البيانات والصور السابقة يتمكن الذكاء الاصطناعي من بناء مشاهد حربية كاملة تتضمن أصوات الانفجارات وتطاير الشظايا وردود أفعال الجنود بل وحتى تصريحات القادة السياسيين بنبرات أصواتهم الأصلية وتعبيرات وجوههم المألوفة وفي ظل الصراع المعقد الحالي يتم استخدام هذه الأدوات لشن عمليات نفسية واسعة النطاق حيث تظهر فيديوهات لمنشآت نووية أو قواعد عسكرية يتم تدميرها بينما الواقع يشير إلى هدوء تام في تلك المناطق وهذا الضجيج الرقمي أدى إلى حالة من التيه المعلوماتي حيث يجد المتابع نفسه غارقا في بحر من الادعاءات المتضاربة التي تعزز الانقسام وتغذي الكراهية بناء على معطيات وهمية تماما لا وجود لها على الخارطة الحقيقية للمواجهة العسكرية والسياسية .. 
هذا التطور الهائل في التزييف دفع بالكثيرين إلى مراجعة ثقتهم المطلقة في منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة خصبة للشائعات والمحتوى المولد آليا دون رقيب أو حسيب وأمام هذا الخطر الداهم بدأنا نلحظ عودة عكسية وقوية نحو القنوات الإخبارية التقليدية ونشرات الأخبار الرصينة التي تلتزم بالمعايير المهنية في التحقق من المصادر فقد أدرك الجمهور أن سرعة الخبر على منصات مثل إكس أو فيسبوك لم تعد ميزة إذا كانت الثمن هو الوقوع في فخ التضليل وأصبح المشاهد اليوم يبحث عن المؤسسات الصحفية التي تمتلك مراسلين على الأرض يواجهون الرصاص ليوثقوا الحقيقة بعدساتهم الحية لا بخوارزمياتهم الصامتة إن العودة إلى شاشة التلفاز ونشرات الأخبار الكلاسيكية تمثل اليوم صمام الأمان الوحيد في مواجهة التزييف العميق لأن هذه القنوات تضع سمعتها التاريخية على المحك ولا يمكنها المجازفة بنشر مقطع فيديو دون التأكد من سلامته الفنية وقانونية مصدره مما يعيد للعمل الصحفي هيبته ومصداقيته المفقودة وسط ركام التكنولوجيا ..
لقد أثبتت أحداث الحرب الحالية أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين فبينما كان من المفترض أن تساهم في كشف الحقائق ونشر الديمقراطية المعلوماتية تحولت بفعل التوظيف العسكري والسياسي إلى جدار عازل يمنعنا من رؤية الحقيقة كما هي وباتت المؤسسات الإخبارية الكبرى التي تمتلك غرفا مخصصة للتحقق الرقمي وفحص البيانات هي الملاذ الأخير للعقل البشري فالثقة التي تآكلت تجاه المحتوى الفردي والمجهول على الإنترنت أعادت الاعتبار لمهنة المتاعب وللدور المحوري الذي يلعبه الصحفي المحترف في غربلة الغث من السمين وفي ظل هذا الصراع الثلاثي الأمريكي الإسرائيلي الإيراني نجد أن كل طرف يحاول استخدام الذكاء الاصطناعي لشرعنة أفعاله أو شيطنة خصومه مما يجعل من نشرة الأخبار الرسمية بمثابة الفلتر الذي ينقي وعينا من شوائب التلاعب الرقمي الذي يسعى للسيطرة على عقولنا وتوجيه انفعالاتنا بطريقة آلية مجردة من الإنسانية . 
إن ما يمر به العالم اليوم هو أزمة حقيقة وليست مجرد أزمة تكنولوجيا المعلومات فالقدرة على خلق واقع بديل تعني أن التاريخ نفسه أصبح في خطر التزوير والعبث وإذا استمر الاعتماد الكلي على الصور العشوائية واللقطات مجهولة المصدر فإننا سنصل إلى مرحلة لا نعرف فيها الصديق من العدو ولا المنتصر من المهزوم ولذلك نرى اليوم توجها شعبيا واسعا نحو تدقيق المعلومات والانتظار لساعات حتى صدور بيان رسمي أو تقرير مصور من قناة إخبارية معتمدة بدلا من الانجرار خلف المقاطع القصيرة التي قد تكون صنعت بالكامل بواسطة برامج متطورة وهذا النوع من الوعي الجديد هو السلاح الحقيقي ضد حروب الجيل الخامس التي تستهدف تحطيم الروح المعنوية قبل تحطيم الجبهات العسكرية وتعتمد بشكل أساسي على قدرة الذكاء الاصطناعي في خداع الحواس البشرية والتلاعب بمشاعر الخوف والقلق لدى الشعوب . 
في الختام نجد أنفسنا في عصر لا يمكن فيه هزيمة الذكاء الاصطناعي إلا بالوعي الإنساني والعودة للأصول المهنية في تلقي المعلومة فالصورة التي كانت تغني عن ألف كلمة أصبحت اليوم تحتاج إلى ألف دليل لإثبات صحتها وهذا يفرض علينا كمتابعين أن نتحلى بالصبر والبحث عن المصدر الموثوق بدلا من الانجراف خلف التريند المزور والذكاء الاصطناعي رغم عظمته التقنية يبقى عاجزا عن محاكاة الروح البشرية والصدق الميداني الذي تنقله القنوات الإخبارية الجادة من قلب المعركة حيث لا مجال للتعديل أو الحذف أو التزييف والمستقبل سيثبت أن المؤسسة الإعلامية التي تستثمر في الصدق والميدانية هي التي ستنتصر في معركة الوعي مهما بلغت قدرة الآلة على التدليس وصناعة الأوهام البصرية وسيبقى الإنسان بحدسه وضميره هو الفارق الجوهري في قراءة ما يحدث فعليا على أرض الواقع بعيدا عن زيف الشاشات وبريق الأكاذيب الرقمية التي تحاول اختطاف الحقيقة وتجييرها لصالح قوى الصراع التي لا ترحم العقول ولا القلوب في سعيها للسيطرة والنفوذ . 

مصطفي البلك
[email protected]